الفصل الثالث
في صبيحة ذلك اليوم خرج "أنوب" متجهاً لأرضه، وتعمد
ترك البذور التي سيقوم باستخدامها لزراعة الأرض، فقابل أخيه "باتا" وبدأ
الاثنان في إنهاء التجهيزات قبل الزراعة، وحان وقت زراعة البذور، فتظاهر
"أنوب" أنه قد نسي البذور وحث أخيه على الذهاب لإحضارها من منزله، فعرض
"باتا" على أخيه أن يذهب، بينما يبقي هو في الأرض، ومرة ثانية تظاهر
"أنوب" أن هناك أعمال قياس بالأرض سيقوم بعملها بينما يذهب هو لإحضار
البذور، ودلل على ذلك بأنه لا عمل "لباتا" من دون البذور، ولذلك ولحفظ
الوقت، ينبغي أن يهتم "باتا" بهذا الأمر.
لم يجادل "باتا" كثيراً بعد ذلك، فقد أخبره
"أنوب" عن مكان البذور ...فذهب لإحضارها من منزل أخيه، بينما بقي
"أنوب" أخيه بالأرض ولم يتحرك ... ولكن "باتا" لم يكن مرتاحاً
لذلك.
كان "باتا" على حق فعلى الجانب الآخر وبعد
خروج "أنوب" من المنزل ارتدت "ميريت" ملابس شفافة تظهر أكثر
مما تخفي، وتعطرت بأفضل عطورها، وانتظرت قدوم "باتا" بمشاعر ملتهبة،
كانت المرأة جميلة حقاً ... كيف للفتي أن يقاومها بعد ذلك، لا أحد يراهم وهي في
أفضل حلة، سيشعر برجولته معها، وستشعر أنها امرأة في أيدي هذا الشاب القوي، سألت
نفسها كثيراً لماذا أحبته؟ لِمَ تراه جميلاً؟ ... جميلاً لأنه يمتلك كل تلك العضلات ... أما
"أنوب" فأقل قوة من أخيه الأصغر، نعم يعاملني بالحب ويهتم لأمري ...
ولكن تجربة الحب مع رجل قوي مثل "باتا"، هي تجربة فريدة بالتأكيد، سيستمتع
كلانا.
حضر "باتا" إلى المنزل ودق الباب ... فتحت له
"ميريت" جزءاً من الباب متظاهرة
بجهلها بمن يكون الطارق ...
-
من على الباب؟
-
إنه أنا
"باتا" يا امرأة أخي.
أظهرت رأسها فقط لـ
"باتا" من خلف الباب، متسائلة:
-
ماذا تريد يا
"باتا"
أثارت الرائحة العطرة لـ "ميريت" أنف
"باتا" ... كم كانت رائعة تلك النسمات التي تعبر منها ... سيطر
"باتا" على نفسه ثم قال:
-
لقد نسي أخي
"أنوب" البذور ... وجئت لأحضرها.
-
ولماذا لم يحضر
"أنوب" بنفسه ليحضرها.
-
إنه يعمل على شيء هام
بالأرض، بينما لا عمل لي دون البذور.
-
حسناً حسناً ... ادخل.
دخل أنوب فأصابه الذهول من ملابسها ... لم يعتد
"باتا" أن يري امرأة بهكذا ملابس.
-
هل تعرف مكان تلك
البذور؟
سألته "ميريت" ولكن "باتا" لم يكن قد
خرج بعد من شروده، فأعادت عليه السؤال مرة أخري:
-
هيييي ... أنت ... هل
تعرف مكان البذور.
ثم أردفت بينما كانت تضحك:
-
ماذا بك؟ ... لِمَ أنت شارد هكذا؟
أجابها "باتا" قائلاً
-
لا شيء.
ثم بدأ في استجماع قواه مرة أخري وهو يردف:
-
نعم ... فلقد أخبرني
"أنوب" عن مكان البذور.
-
اذهب اذن لإحضارها.
سار "باتا" للمكان الموضوع فيه البذور كما
وصفه له أخيه ... هو يعرف كل جزء في هذا المنزل ... لقد عاش عمره كله فيه، لديه من
الذكريات واللحظات الجميلة هنا ما يفوق ما عاشته "ميريت" بكثير وكثير
... يتذكر والده، ذلك الرجل الحكيم الذي علمهم كيف يعيش كلاً منهم محافظاً على الأخر
محباً له، ذلك الرجل الذي تعلم منه كيف يكون قدماً لأخيه، بينما يكون أخيه يداً له
... فلا ينفصلا أبداً ... كم حكي لهم أبيهم عن حكماء العصر "أني"
و"بتاح حتب" و "ايمحتب" و "كاجمني" والكثير والكثير.
تذكر "باتا" في تلك اللحظة مقولة الحكيم "أني"
التي علمها والدهم أيها:
"احذر المرأة التي يغيب عنها زوجها، فقد تكشف لك عن مفاتنها،
وتراودك عن نفسها وتشهدك ألا رقيب عليها، وتحيك شباكها لاصطيادك، لا تستجب لها حتى
في غفلة من الناس"
هذا هو الإرث الحقيقي يا والدي ... أن أثوب إلى رشدي بما
علمتنا إياه ... وأن أكون على يقين بما يجب أن أفعله.
كانت "ميريت" تسير وراءه ... انتظرت حتي أحضر
البذور ثم وقفت معترضة طريقه، نظر "باتا" إليها فسألها:
-
هل لي بالعبور؟
فأجابته بدلال:
-
ألا يمكنك العبور من
خلالي؟
نظر إليها "باتا" في اشمئزاز وبينما يمسك
البذور بيده اليسرى، أبعدها باليد الأخرى، اغتاظت المرأة مما فعله، فصرخت في وجهه
قائلة:
-
أبعد كل هذا ولم
أعجبك؟
استمر "باتا" في السير متجاهلاً إياها، فأمسكت
بيديه وأجبرته على النظر إليها وكانت مازالت تصرخ:
-
انتظر هنا ... ألا
أعجبك؟ ... ألا تريديني مثلما أريدك؟
أبعد "باتا" يديها عنه ثم قال:
-
فلينتقم مني رع ان
فعلت ذلك ... إن أخي الكبير رب نعمتي، فقد أحسن مثواي فلا أخونه في زوجته.
اهتاجت "ميريت" ونشبت أظافرها في رقبة
"باتا" وأخذت تجرحه في كل مكان تصل إليه يديها وأخذت تنعته بالجبان
والغبي، أفلت "باتا" يدي "ميريت" الغاضبة من على جسده ولكن
بعد أن قامت بقطع جزء من ملابسه في أثناء ثورتها، فقال "باتا لها وهو يغادر:
-
رفقاً بأخي ... أخي
فقط ... لن أخبره بما حدث اليوم ... ولكن اعلمي انه لن يكون بيني وبينك معاملة
أخري بعد ذلك، فلا تحاولي الاقتراب ناحيتي أبداً.
وغادر "باتا" بعدها سريعاً وهو ممزق الملابس ومليء
بالجروح في وجهه ورقبته، واتجه بعدها إلى منزله بدلاً من الذهاب إلى الأرض لأخيه،
قام بتغيير ملابسه ولكنه لم يستطع إخفاء أثار الجروح التي خلفتها.. ظل يفكر .. لا
يدري ما ينبغي عليه فعله ... لقد حسم أمره من قبل، فلن يخبر أخاه ولن يستطيع أن
يفصح له عما دار في ذلك الصباح ... ولكن ماذا ينبغي عليه فعله لتجنب تلك الشيطانة
... أغثني يا إلهي رع .. يا رب الأرباب ... الذي يضئ الأرضين.
بعد هنيهة، ولكي لا يثير الشكوك ... قرر "باتا" الذهاب بالبذور إلى الأرض،
ومواصلة عمله كالمعتاد.
كان "أنوب" ينتظر متوتراً ... تنقضي الثواني
معه كأنها ساعات، ولكن صبره قد انقضي الآن حينما أبصر أخيه "باتا" من
بعيد قادماً، ثبت نظره إليه متابعاً إياه حتي اقترب، لاحظ أنه بهيئة مختلفة عما
كان صباحاً، فتسائل قائلاً:
-
هل قمت بتغيير ملابسك؟
بدت علامات التوتر على "باتا" وهو يجيب:
-
لقد شعرت بالحر ...
فقمت بالاغتسال في النهر سريعا ثم قمت بتغيير ملابسي أيضاً.
أمسك "أنوب" وجه "باتا" وقام بتحريكه
في كل اتجاه قائلاً:
-
وما كل تلك الجروح في
وجهك؟
-
لقد تعثرت عند الصعود
وجرحت نفسي على الأرض.
-
من الواضح ان ذلك
التعثر كان شديداً.
هز "باتا" رأسه موافقاً، فأردف "أنوب
قائلاً:
-
حسناً، لقد أنهيت ما
أريد فعله، سأذهب أنا أيضاً إلى المنزل للاغتسال، وسوف أمر عليك مرة أخري بعد حين.
تنفس "باتا" الصعداء ... فلقد كان حملاً
ثقيلاً التعامل مع أخيه وهو في تلك الحالة، لقد حاول السيطرة على نفسه وضبطها إلى أقصي
حد، ولم يعرف على وجه التحديد كم من الوقت يستطيع فعل ذلك.
في منزل "أنوب" كانت "ميريت" في قمة
ثورتها، تحاول التفكير في كيفية الانتقام من "باتا" الذي رفضها مرات
ومرات، وكانت الفرصة اليوم سانحة ليكونا معاً يمارسان الحب كما يشتهيان، ولكنه
أهانها بدلا من ذلك.
غيّرت ميريت ملابسها، ثم قامت بشد بعض القطع من ملابسها حتى تمزقت، انتظرت حتى حضر
"أنوب"، كان وجهها مازال مصطبغاً باللون الأحمر، وما أن سمعت الباب يدق،
وعرفت أنه زوجها "أنوب" حتي بدأت بالبكاء، سمعها "أنوب" فدق
الباب بقوة أكثر ... تلكأت "ميريت" في فتح الباب فأثار ذلك غضب
"أنوب" الذي أدرك أن هناك كارثة قد حلت، وما أن فتحت "ميريت"
الباب، فرأي زوجها وجهها وحالة ملابسها، حتي صرخ قائلاً:
-
ماذا فعل هذا الخسيس؟
ماذا فعل؟
اشتد بكاء "ميريت" وارتمت في أحضان زوجها، وفي
صوت متهدج قالت:
-
لقد ... لقد حاول
"باتا" ... أن يعتدي علي.
كاد "أنوب أن ينفجر وهو يقول:
-
ماذا؟
-
في البداية طلب مني أن
أدس لك السم في طعامك حتى تموت ويتزوجني هو وقدم لي هذا السم
قالت ذلك وهي تظهر
قارورة صغيرة في وجه زوجها، ثم أردفت قائلة وهي تنشج:
-
ولكنني شتمته وضربته
... فأسقطني على الأرض، فقمت بنهش أظافري في وجهه لإبعاده، وحاولت مقاومته على قدر
استطاعتي.
قالت ذلك وهي تريه بيديها قطعة من ملابس "باتا"
الممزقة، ثم استكملت:
-
ولكن انظر ... انظر
ماذا فعل بي.
قالت ذلك وهي تبكي بمرارة، هي ذاتها لا تدري هل كانت تلك
مرارة رفضه لها، أم أنها قد أقنعت نفسها أنها الضحية فشعرت بمرارة ذلك في داخلها.
-
الآن فهمت سر الجروح
على وجه "باتا" ... ولماذا قام بتغيير ملبسه قبل المجيء.
قال "أنوب" ذلك ثم أبعد "ميريت" عنه
وذهب إلى الداخل ليبحث عن الفأس وهو يقول:
-
لن أتركه ليعيش بعد
تلك الفعلة، حانت نهايته.
قال ذلك، وظل يقلب كل جزء في المنزل بحثاً عن ذلك الفأس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق